منتدى جهات أدبية

الرئيسية المنتدى الأخبار الديوان كتّاب جهات الصوتيات الصور عيون البطاقات

[3] سلسلة شعراء جهات: الشاعر عبدالله الطفيلي
مجلة رقمات .. لكل كلمة قيمتها

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: رواية طويلة بما يكفي ..!! (آخر رد :محمد بن منصور)       :: نايف عوض .. ونواف التركي في عهدة عمران البنغالي (آخر رد :يحيى المحيريق)       :: القاصة السعودية عائشة الزهراني .. و القاع (آخر رد :بندر الخزمري)       :: [غابت سعاد] (آخر رد :محمد بن منصور)       :: الطريق للعاصمه .. (آخر رد :بندر الخزمري)       :: (النـاسك) (آخر رد :عبدالرحمن الحارثي)       :: ركن جريدة هماليل الإماراتية (آخر رد :نجاة الظاهري)       :: اعترافاتي في جريدة الأنباء الكويتية (آخر رد :موسى الفريح)       :: معاول الهدم وحفار القبور ( قصه قصيره ) (آخر رد :عبدالعزيز حسين)       :: منفى \ آت .. (آخر رد :نجاة الظاهري)      

العودة   منتدى جهات أدبية > ~-^ جهــــــات الثقافيــة ^-~ > خلوة الراوي

لأول مرة .. مُحرك جهات الأدب
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /26-11-2009, 11:32 PM   #1

محمد مهاوش الظفيري
 
الصورة الرمزية محمد مهاوش الظفيري
مستشار عام

محمد مهاوش الظفيري متواجد حالياً

افتراضي أوراق لا تعرف الكتابة

ها أنذا أتذكر السائق الذي حملني إلي الجامعة من المطار
كم كانت قسمات وجهه قاسية ولا توحي بأي شيء , فقط انعكاس حقيقي ومباشر لقساوة الصحراء التي لا تشبه غيرها ..
إنها بلا ملامح وبلا سمات ..
فقط صحراء ممتدة يملؤها الغموض والمجهول .
وصارت القراءة روتين ...
صحيح أنها بدأت كالشرارة التي سرعان ما اشتعلت ثم خبت , غير أنني لا زلت أتلذذ بدفئها المنبعث من تحت الرماد , كألسنة الضوء المتكسرة من وراء الغيوم .
في الجامعة سأمارس الحياة .. هناك في الرياض سأعيش حياة أخرى تختلف عن الحياة التي عشتها سابقاً هنا في حفر الباطن ... المعارف كثيرون ولا يستطيع الإنسان أن يتنفس الصعداء , لأن الرقباء أكثر من ترددات الأنفاس ... وثم .. هناك الرقيب الذاتي الذي يحول بيني وبين الحياة .
ها هي الكتب مكدسة أمامي كالجثث الهامدة تنتظر من يبث فيها الروح ــ روح القراءة الجادة المتأملة لا روح الروتين القاتل ــ إنني أطوي الصفحات دون وعي , وفي بعض الأحوال أقف عند الصفحة الواحدة أكثر من خمس دقائق , وفي كلتا الحالتين أشعر بأنني أسير في الاتجاه المعاكس لنواميس الطبيعة ..
تضاءل الإنسان في داخلي , وانكمش بين الزوايا , وأظل أبحث عنه دون جدوى . ولا أصحو من هذا الذهول , وأعود إلي لملمة أشيائي المتبعثرة هنا وهناك , إلا على صوت أمي أو أختي فوزية في ندائهما الأزلي المعتاد لتناول وجبة الغداء أو العشاء.
كنت حيث ينادى علىّ أطوي درجات السلم وأنا لا أدري كيف قطعتها ... هل عدًّا , درجة درجة أو قطعتها قفزاً... إنني أصبحت أفقد قيمة الأشياء من حولي ... صار الجو ـ ليس جو المنزل بل جو حفر الباطن خانقاً ... أتذكر عندما كنا نخرج إلي البر للنزهة خارج حدود حفر الباطن , وخاصة إذا أطل علينا الغروب , نرى كماً هائلاً من الغبار العالق بالجو يلتف حول سماء هذه المدينة .. إنه ينتشر في كل مكان , ومما يزيد الأمر بؤساً وكآبة أنوار الشوارع الصفراء الباهتة وهي تعانق الفضاء الممتد كالسديم .
كنا نلتف حول صحن الرز الموضوع على الأرض أنا وأبي وأخويّ , بينما كانت أمي وأختاي يتناولن الطعام في المطبخ كالعادة .. إنني أتذكر التقاليد القبائلية الصحراوية الجافة القاسية , عندما كنت صغيراً وبينما كانت أمي تأكل في المنزل بهدوء وتأدة , قفزت من مكانها مسرعة , وبشكل ملفت للنظر عندما أحست بأن والدي دخل المنزل .
أخذت الصحن , وذهبت به مسرعة إلي المطبخ , وهي تمسح بكم ثوبها فمها , وعندما سألتها فيما بعد عن سبب هذا التصرف قالت لي " عيب على المرأة أن تفتح حلقها مثل الناقة وتأكل أمام الرجال حتى لو كان زوجها "
في الصباح التالي أيقظني والدي من النوم قرابة الساعة السادسة والنصف وأمرني بأن أجهز نفسي وهو يقول بنبرة أمرة لا تحتمل المساومة
-جهز نفسك بسرعة أم سعد ماتت
قال ما لديه ومضى
الإحساس بالموت شيء لا يمكن تصوره أو وصفه .. وكذلك لا يمكن استحضاره في أي لحظه ..
ضجيج منبعث من كل الاتجاهات يخترق الأعصاب والذاكرة .. وطنين من الصمت قادم من بعيد ومتجه إلي لا شيء .. وأمور كثيرة متراكمة في الذاكرة لا يمكن الوصول إليها في الأوقات العادية ...
ها هو هاجس الموت يقتحم أذني ويشل مسامعي كأقدام القدر الثقيلة
- جهز نفسك أم سعد ماتت
أم سعد تلك المرأة العجوز التي كنت أذهب إليها في أقاصي القرية راكضاً , وأعود منها راكضاً خوفاً من بعض الصبية الذين يضربون بسبب أو دون سبب , وكنت أعود محملاً بالحاجيات منها إلي أمي " حِلْبة - مرة- عنزروت - محلب - حليتتة " وأمور كثيرة لا تساعدني الذاكرة على استحضارها الآن .
عندما جاء وقت صلاة الظهر كان المسجد يكتظ بالمصلين الذين ملؤا كل الأمكنة
إن هذا اليوم الاثنين لا يوم الجمعة , فهؤلاء المصلون الذين قدموا من كل اتجاه , والكثير الكثير منهم لا أعرفهم جاؤوا للصلاة على جنازة أم سعد في موعد غير مضروب مع القدر .
هذا من دلائل القبول والبركة وحسن الخاتمة كما قال إمام المسجد وهو يخطب في المصلين بعد أن وضع الجثمان على الأرض "من حسن حظ هذه المرأة الصالحة أنها ماتت يوم الاثنين وهو يوم مبارك ولد فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيه انتقل إلي الرفيق الأعلى وفي هذا اليوم المبارك ترفع أعمال العباد لرب العباد ومن حسن حظ هذه المرأة الصالحة كذلك أن جاء للصلاة عليها كل هذا الجمع الغفير المبارك من المسلمين الصالحين إن شاء الله تعالى " كان الإمام يخطب بطريقة ارتجالية قال الكثير وإن بدا عليه شيء من الارتباك
كنا ونحن ذاهبون إلي منزل أم سعد , كانت أمي تبكي في السيارة , كان بكاؤها نشيجاً أقرب إلي الهمهمة المليء بالحميمية
أخبرتني والدتي فيما بعد عنها إنها سليلة آل الطايع , وهم من العوائل المعروفة قديماً والمشهود لها بالدين والصلاح والكرم والشجاعة وحصافة الرأي ..
لا أدري مدى مصداقية ما تقول أمي
إن رهبة الموت والإحساس بحتمية وقوعه تجعل الأحاديث تخرج بطريقة غير اعتيادية , وفي أحيان كثيرة لا يمكن تصديقها , وذلك من خلال الانسياق الشعبي والعاطفي وراء " اذكروا محاسن موتاكم " وقد مات كل رجال هذه العائلة ولم يبقى إلا هذه المرأة العجوز .كانت أمي وهي تحدثني عنها تصمت لبعض الوقت لأن الحروف في حلقها تختنق وتتثاقل قالت لي أشياء كثيرة لم أنتبه لها لأنني كنت مشدوداً إلي أسلوب أمي في الكلام وطريقتها المندفعة التصاعدية في الحديث , كانت الحروف تخرج من فمها كالقنابل التي تحدث الدوي والدمار في المكان . أتذكر أن أمي كانت تتحدث معي وهي متربعة على الأرض مسندة ظهرها إلي جدار الغرفة , ذلك الجدار الخالي من كل زينة .
في الوقت الذي كانت فيه أمي تتلذذ بالحديث كنت أستمتع بالصمت والاصغاء , كانت تطرح على بعض الأسئلة غير أني كنت ألوذ عنها بالصمت , لا أريد الدخول إلي عالمها المتفجر بالحنين والذكريات والألم , وكانت هي تبادر بالإجابة والتواصل إلي أن اقتحم مسامعنا صوت المؤذن
صمتت لبعض الوقت ولا أدري أين غابت وبعد لحظة ضحكت ضحكة خفيفة كانت تفوح منها رائحة الحزن المبلول بالدمع .. ثم أطلقت تنهيدة عميقة وكأني أحس بصدرها يعلو ويهبط نظرت إليّ كمن يكتشف غريباً وقف أمامه صدفة , وجاءني صوتها كصوت الحكيم الطاعن في السن .
- كل الأحاسيس تبدأ صغيرة ومع الأيام تكبر إلا الأحاسيس بمرارة الموت أول ما يبدأ كبير ومع الأيام يختفي وما تتبقى منه إلا الذكريات .
طأطأت رأسها إلي الأرض وغابت







التوقيع
الصمت عيوننا الجميلة التي ترسم لنا الأشياء بدقة
  رد مع اقتباس
قديم منذ /27-11-2009, 05:17 PM   #2

بدرية سعيد
 
الصورة الرمزية بدرية سعيد

بدرية سعيد غير متواجد حالياً

 من مواضيعه :

0 ريميه تتصدى لفتاوى البراك
0 حالة هذيان
0 قصيدة الموسم
0 ( وصاة )
0 طموح جلجامش أكبر من هواجيس عشتار

 رقم العضوية : 793
 تاريخ التسجيل : Dec 2007
 المكان : جده غير
 المشاركات : 2,404
 التقييم : بدرية سعيد في طريقه للتميّز

افتراضي

وهاهو محمد مهاوش الظفيري
يكشف لنا جانباً مضيئاً له جانب السرد القصصي
الممتع وكان ممتعاً عندما عايشنا تلك الحكاية الواقعية
الرائعة من روايته القادمة بإذن الله
بكل الود أشرف بقراءة قصتك الجميلة ياأستاذ محمد ويسعدني
أن أكون أول القارئين لك أو ربماآخر العالمين عنك
مودة لاتنضب
وكل عام وأنت ترفل في حلل الصحة والجمال







التوقيع
أدِرْ مهجة الصبح

واسفح على قلل القوم قهوتك المرْةَ المستطابة

أدر مهجة الصبح ممزوجة باللظى

وقلّب مواجعنا فوق جمر الغضا

ثم هات الربابه

هات الربابه :

محمد الثبيتي
  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-12-2009, 02:22 AM   #3

محمد مهاوش الظفيري
 
الصورة الرمزية محمد مهاوش الظفيري
مستشار عام

محمد مهاوش الظفيري متواجد حالياً

افتراضي

لا زالت صورة أم سعد تخترق ذاكرتي . أتذكر " الطماط " الذي أتيت به منها عندما طلبت مني أمي إبلاغها بالقدوم . وأتذكر ما قالته لي أمي عندما رأت كيس " الطماط " وهو في يدي " سِمَاد سَمّد عينك " أتذكر منظر الجحش والبقرة أمام منزلها الكائن في أقاصي القرية ... بدأت الذكريات تتداخل في جمجمتي بشكل فوضوي عبثي ... أتذكر أنني جلست يومين على هذه الحالة إلي أن عدت إلي عالم القراءة , وكانت القراءة هي النفق الذي هربت من بعيداً عن رائحة الموت التي أصابت أعصابي بالخوف والتشيخ
تخلصت من التفكير وقذفت بنفسي في عالم القراءة والسفر بعيداً عن أجواء حفر الباطن إلي موران وعمورية وعوالم عبد الرحمن منيف التي تنبض بالحياة , وفي بعض الأحيان أشم عبق فتنة حميدة وهي تعبر زقاق المدق لنجيب محفوظ .
الفرق بين عبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ , أن الأول ينشر الخيوط ثم يقوم بلملمتها بالطريقة التي يشاء . أما نجيب محفوظ فيقوم بقذف القارئ في العمل الروائي دون أن يحدد له الوجهة , ويتركه هكذا يبحث من خلال كونه عنصراً في هذه الرواية أو تلك .
حظرت في ذاكرتي هذه المقارنة , وأنا استحضر مدن الملح بأجزائها الخمسة لعبد الرحمن منيف وسلسلة طويلة من روايات نجيب محفوظ .
وبدأ العد التنازلي .
هاهي الأيام تمر ويقترب موعد الذهاب إلي الجامعة .
قفزت إلي ذاكرتي كالعفريت الخارج من العوالم السفلية شبح نتائج مواد الفصل السابق . ما مصيري مع الدكتور صلاح الكرداوي " ... " كما وصفه ذات مرة بداح الساهي ونحن جالسان مع طلبة القسم في ممر الكلية .. راق للطلاب هذا الوصف وضحك الكثير منه وأكدوا على صدقة بعبارات وكلمات عدة قيلت هنا وهناك .
في كثير من الأحيان تكون درجة المقبول أفضل بكثير من تقدير الامتياز , وخاصة عند أمثال هذا الدكتور الغريب الأطوار .
فجأة خطر على بالي الدكتور السوداني " الزول " تاج السر . حتماً ستكون درجتي عنده مرتفعة لأن الغش والفوضى هما المسيطران على جو القاعة , فرغم ضعفه الشديد في إدارة المحاضرة أو السيطرة على تصرفات الطلاب وخاصة في قاعة الاختبار , إلا أنه يحرص على تصحيح الأوراق والتدقيق فيها , ولا يعتمد سياسة " التشبير " كما هي الحال مع سواه من الآخرين , خاصة الأساتذة السعوديين , خاصة أولئك الذين لا يرعون ذمة ولا ضمير.
طلبت من أختي فوزية تجهيز ملابسي , وغسل ما يستحق الغسل منها , لأن موعد الذهاب إلي الجامعة اقترب
هزت رأسها بتثاقل دون أن ترد على ولو بكلمة واحدة
أتذكر أنها عدلت من هندام " شيلتها " وهي تستقبل مني الأوامر .. سارت بتثاقل , كأنها تحمل على كاهلها أعباء السنين .
أحسست في مساء ذلك اليوم أنني لابد أن أجلس مع والدي لقد مرت على أيام دون أن أجلس معه الوقت الكافي
أطبقت الكتاب الذي كان في يدي , ووضعته عل أرض الغرفة بجوار فراشي المكوم بطريقة فوضوية بزاوية الغرفة , وهممت بالخروج .
كان المساء يلف المدينة
خرجت إلي حوش الرجال المطل على المجلس , وإذا بالبرد يلسعني بشدة قاسية , شعرت بأنه صفعني على وجهي بطريقة شرسة , لا أستطيع تحديد الجهة التي صفعت عليها . سرت رعشة في كل جسدي جراء هذا الهجوم الشتوي المباغت
فكرت بالتراجع إلي الوراء , وأنا أتمنى الجلوس مع والدي
تذكرت جدي رحمة الله عليه الذي كان يحدثني دائماً وبشكل منتظم , وكأنه كان يريد تهذيبي وتقويم سلوكي وتربيتي
كان قليل الثقة بأبي .. وكان يردد في بعض المرات " مات الرجال وما بقى منهم إلا القليل " كان جدي يحب الجمال .. ويكثر الحديث عنها
في أوائل الثمانينيات الميلادية تغير الحالب مع جدي , وذلك عندما هبت رياح الصحوة الدينية على أرجاء الجزيرة والعالم العربي , حيث تعلق جدي بها تعلقًا جعله ينتقل من حب الجمال إلى حب الأغنام , وعندما سألته ذات مرة عن سر هذا التحول قال لي وهو يخرج السواك من جيب ثوبه العلوي , وكان لا يفارقه دائماً إلي أن مات
- الجمال توحي بالقسوة والأغنام توحي بالرأفة والأمان .. وما من نبي أرسله الله سبحانه وتعالي إلا ورعى الأغنام .
كان يكره صدام حسين في الوقت الذي كنا فيه نحبه وذلك من قبل دخوله الكويت ومناصبته العداء لنا . كنت أدافع عنه بحماس ظاهر وقلت لجدي ذات مرة بزهو
- إنه يدافع عن حياض الأمة , ويقاتل أحفاد المجوس
لكنه رد على بوقار أكسبه السنين هيبة
- فاجر العراق يحارب زنديق فارس , والشعوب تدفع الثمن .
الجلوس مع جدي له نكهة خاصة
إنه يتحدث بطريقة توالدية , تتقاطر عليه الذكريات من عوالم اللاوعي بطريقة واعية كان الكلام يتدفق من فمه كالسلسبيل العذب هكذا كنت أحس به وفي أحيان كثيرة يرى الانسان بأحاسيسه قال لي أحد أبناء الحارة ذات مرة وذلك قبل سنوات مضت من عمر الزمن لا أستطيع عدها " يا هنيك جدك عنده سوالف كثيرة ما هو مثل جدي " وزادني هذا الكلام نشوة وأضفى على جدي عظمة أخرى فوق العظمة التي أضعه بها
حدثني جدي عن قصة حدثت لأحد أبناء البادية , الذين يمتلكون عدداً من الأغنام انتظر ذلك البدوي ذات يوم أغنامه أن تعود من المرعى القريب من منزله وعندما طال انتظاره ذهب إليها وإذا بضبع يعث بها فساداً حيث كان ذلك الضبع الخسيس كما وصفه جدي كان ذلك الضبع يقوم بفضخ روؤس تلك الأغنام ولا يقوم بأكلها كان يقتلها فقط دون أى حاجة وعندما أنهى هذه القصة أطلق تنهيدة عميقة خرجت كاللهيب المتصاعد من جوفه , ثم قال بطريقة تعليمية .
- كل الحيوانات لها رسالة تؤديها في هذه الحياة إلا الضبع يعيش من أجل الفوضى.
صمت لبعض الوقت وعندما رأى صمتي تابع بنفس الطريقة السابقة
- يكفي هذا الحيوان القذر خسة أنه مصدر السحر والسحر من السبع الموبقات في الاسلام .
تذكرت هذه القصة التي قفزت إلي سطح الذاكرة من ركام العقل الباطن وخطرت في مخيلتي مسألة مقارنة بالحيوان . الحيوانات المفترسة أنبل من الانسان , والإنسان كالضبع يا جدي . فالحيوانات المفترسة تهاجم الضحية من أجل أن تعيش بينما الإنسان لا يقتل من أجل البقاء , وإنما يقتل من أجل الإحساس بالمتعة والتلذذ بسلب الحياة من الآخرين والاستمتاع باستنشاق رائحة الموت وهذا ما يؤكد اشتعال الحروب بين البشر , فهذه الحروب قتلت الملايين , وشردت الملايين , وشوهت الملايين والمستفيد من إشعال هذه الحرائق أفراد لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة .
ارتعشت أطرافي من البرد . لا أدري كم مرة ارتعشت أطرافي خشيت أن أقع فريسة الحمى التي يطيب لها التجوال في مثل هذه الظروف لاقتناص الضحايا والتلذذ بمضاجعتهم .
دخلت المنزل وشعرت بنوع من الدفء اقتحم مسامات جسمي أحسست بالراحة .
كان الجو كاتمًا رغم برودة الجدران المعهودة في مثل هذه الأجواء , أفضل بكثير من جو الحوش البارد , ارتعشت أطرافي من القشعريرة دخلت المنزل بخطوات ثقيلة , وكان رأسي يضج بالأفكار والذكريات
رأيت أمي جالسة قرب المدفأة وهي تتابع التليفزيون . جلست على الأرض بجوارها . وبعد فترة من الصمت , ولعلها لم تشعر بقدومي , سألتها عن أبي ردت على وهي تتابع التليفزيون
- معزوم هذه الليلة لحفلة زفاف .
مددت أرجلي على الأرض كخشبتين , وأسندت ظهري على الجدار تذكرت ما تعاني منه أكثر العوائل , وخاصة عوائل البادية من تكاليف الباهظ الثمن . وكأن الرجل منهم يريد الاقتران بملكة جمال الكون أو احدي وصيفاتها . ناهيكم عن " العانية " التي يدفعها المدعون لأهل المتزوج للمساعدة , وهي رغم كونها سلوكاً اجتماعيا رائداً لمساعدة المتزوجين وتخفيف أعباء الزواج التي أثقل كاهل الشباب إلا أنها أصبحت الزامية بقدر ما تمنح الآخرين يمنحونك وكأنها سداد دين إنها روتين قاتل وبروتوكول لا يراعي الظروف حقاً لقد أصبحت الزيجات لدينا مرتفعة الثمن وكما يقال " المعاريس اثنين والمجانين ألفين " الكل يتجهز أهل العروس وأهل العريس وكأن الجميع ماراثون عائلي محموم ... تغيير أثاث هنا وتغيير أثاث هناك . بالاضافة إلي سعر " الطقاقة " المرتفع الثمن , والبوفيه المحتوم , رغم أكداس الخرفان التي تذبح للضيوف والمدعوين وهناك عوائل تتباهى بإحضار شعراء المحاورة الشعبية الذين يتنافسون "الطقاقات" إنهم ينعقون كالغربان أما الجمهور وهو ينعقون غبار التاريخ , ويكشفون فضائح هذه القبيلة أو تلك التي نسيها الناس أو تناسوها لأن الجميع يرغب في العيش بسلام
أحسست بأن رأسي يضج بالأفكار هذه الأيام هل هذه عادتي التي لم أنتبه لها أم أنها تسللت إلي بفعل الملل ... التفت إلي أمي بوجهها وسألتني
- ماذا تريد منه ؟
كانت هناك نبرة في السؤال لم أفسرها في وقتها لم أشغل نفسي في التفكير بها على أدق تعبير
- اقترب موعد الذهاب إلي الجامعة , ومضت على الأيام ولم أجلس مع أبي الوقت الكافي
وضعت أختي فوزية إناء الحليب بالزنجبيل الذي يزداد طلبه في مثل هذه الظروف لمقاومة البرد وضعت الإناء وذهبت كعادتها بصمت ... صبت لي أمي كوباً من الحليب وهي تقول دون أن تنظر إلي وجهي
- وأمك ما لها حق عليك
وقالت هذه الكلمات البسيطة بتثاقل ونبرة انكسار إنه انكسار حقيقي , وكان صوتها مختنق الحروف .
سرت في جسدي صعقة كهربائية كالبرق
اعتدلت في جلستي حاولت أن أقول لها شيئاً غير أني لم أستطع أحسست أن الكلمات وقفت في حلقي كالخنجر ولم تقوَ على المرور .
كانت المسافة بين لغتي وصوتي بعيدة
وعندما لملمت أشيائي المبعثرة في الهواء في المكان واللامكان لأقول لها أي شيئ مهما كان تافهاً لكي تسمع صوتي وأخرج من هذه الدوامة التي تعوي في داخلي كالغول القادم من المجهول .. من الأدغال البعيدة المليئة بالجن والعفاريت
حين فتحت فمي لأتكلم وأخرج من صمتي على صمتي , إذا بأمي تبكي .
أحسست أني كمن أسقط في يده .
لا أدري ماذا أقول ؟؟؟ اختصرت على نفسي التفكير أو لم تعد بي قدرة على التفكير وارتميت بأحضانها . غبت بأحضانها ... وبقدر ما تناثرت أشيائي وتبعثرت أطرافي في الهواء .. أحسست بأني والكون من ورائي نجتمع في حضن أمي .. ننصهر بين يديها ونتلاشى ونغيب بكيت لبكاها .. وكانت الدموع أقوي من كل لغات الأرض إنها هي اللغة المشتركة التي يفهمها الجميع لا الموسيقى فموسيقى الهنود والأفارقة لا تروق لي ولا تروق للكثيرين على ما يبدو . قبلتها أكثر من مرة وأنا أقسم لها أيماناً غليظة بأنها " الذخر ورأس المال الذي نفخر بوجوده بيننا "
هكذا قلت لها وعيوني ملأى بالدموع
ظل ذلك اللقاء بما فيه من دموع وبكاء وأحاديث استمرت لمنتصف الليل عالقاً في الذاكرة لسنوات قادمة حتى بعد أن تمدد بي الزمن .







التوقيع
الصمت عيوننا الجميلة التي ترسم لنا الأشياء بدقة
  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-12-2009, 08:38 PM   #4

امل احمد
مشرفة المنتدى العام

امل احمد غير متواجد حالياً

 من مواضيعه :

0 السيـجارة
0 ذكريات الماضي
0 الأجنبي يقبل التصوير والخليجي يرفضه
0 نعي خائنة
0 حمــــــــــــده.

 رقم العضوية : 191
 تاريخ التسجيل : Jun 2005
 المكان : في عالم ابنتاي
 المشاركات : 2,914
 التقييم : امل احمد في طريقه للتميّز

افتراضي

محمد جلست الأرض ما في أجمل منها

لغتك شهية تغري بمتابعة القراءة وتشي بأفكار جميلة...


الفكرة بها جانب من الواقع حولكــــــ....


محمد ربما كان فعل القراءة عند البطل بداية علاقته بالكتابة!!!

وجهة نظر
متابعة







  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-12-2009, 07:14 PM   #5

محمد مهاوش الظفيري
 
الصورة الرمزية محمد مهاوش الظفيري
مستشار عام

محمد مهاوش الظفيري متواجد حالياً

 من مواضيعه :

0 البقاء لله سبحانه
0 ليلى العامرية
0 فخامة الريّس عنتورة
0 تأويل النص للأستاذ سعود الصاعدي
0 الصراع في الأدب

 رقم العضوية : 252
 تاريخ التسجيل : Dec 2005
 المشاركات : 1,961
 التقييم : محمد مهاوش الظفيري في طريقه للتميّز

افتراضي

كل شيء بدأ يسير في الاتجاه المعاكس , وكما قال لي عامر ذات يوم في الفصل السابق , في نوبة من نوبات التجلي التي كانت تظهر وتختفي , غير أنها أخذت فيما بعد تبنّي المواقف الحادة
قال لي ونحن قادمان من مكتبة الجامعة عصر يوم أحد الأيام : " آلهة الأرض تتحدى آلهة السماء " , اعترضت على هذا التوجه الحاد , غير أن اعتراضاتي ذهبت سدى
طوت الأيام هذه الحادثة , بسب تسارع الأحداث , غير أنها تشكلت فيما بعد بمواقف تسارعت أحداثها , أو هكذا أحسست بها
في ظهر يوم السبت أول أيام الفصل الدراسي , التقيت بفيصل الطواش , صديق بداح الساهي , الطالب في كلية العلوم .
التقيت به في مطعم كلية العلوم , حيث كنا نقف في طابور طويل , وفجأة لمحته في وسط الطلاب , كانت عيوني تراقبه إلي أن جلس في منتصف المطعم , رآني وهو يجلس , رفع يده للسلام فرددت عليه التحية
لم يكن معه أحد
حملت صحن الغداء واتجهت إليه , وجلست قباله
كانت الأحاديث ونحن نتناول وجبة الغداء أحاديث ودية وعادية , سؤال عن الصحة والأهل وعمن قدم من الشباب وأمور أخرى لا أذكرها لبساطتها وعدم أهميتها
خرجنا بعد الغداء نسير في الأسياب
كنا مثل الجميع نشكو من عدم تسجيل المواد بحجة أن جميع الشُّعب محجوبة بسبب امتلائها , علماً بأن هذا اليوم هو اليوم الأول لبدء تسجيل المواد
خيمت علينا غيمة من الصمت , سرنا بجوار بعض , وبعد فترة , قال وهو ينظر إلي الأمام
- ألم تسمع شيئاً عن الجامعة ؟؟؟؟
هززت له رأسي بالنفي , وعندما لم يتكلم , قلت في طريقة لإثارته وحثه على المواصلة بالحديث
- خير إن شاء الله صار شيئ .
هز يده في الهواء وهو يقول :
- أشياء وأشياء !!
انتابني الفضول وتحركت بي غريزة حب الاستطلاع
قلت كمن يريد استفزازه لقول كل ما في جعبته
- منذ أن دخلت هذه الجامعة وأنا أراها تقف على كف عفريت .
- عفريت !!
مط حروف هذه الكلمة ... ثم تابع بنفس النبرة السابقة
- قل على كف إبليس
سكت عن الكلام ... وجدت أن طرائقي وحبائلي معه باءت بالفشل
خيمت علينا فترة من الصمت .. كنت أريد تجميع أفكاري للانطلاق من جديد ... وهكذا فسرت صمته بعد أن سمعت منه القصة فيما بعد
قال بعد أن سحب كمية من الهواء
- لم أغادر الجامعة إلا يوم السبت , كل الطلاب غادروها بنهاية دوام يوم الأربعاء إلا الطلاب الأجانب . كان دكتور مادة الكيمياء الحيوية قد أخّر اختبارنا ليوم السبت بسبب ظروفه الخاصة التي يعرفها عدد من طلاب القسم , سافر للبحرين لاستقبال صديقته .. كنا عشرة طلاب فقط لا غير ... دخلنا القاعة وأثناء تأدية الاختبار حدث الزلزال الرهيب في الجامعة
توقف عن الكلام ... التفت إلي ليرى تأثير ما يقول , وحيث شاهد الاندهاش والذهول في نظراتي ... تابع الحديث بحيوية بعد أن سحب كمية أخري من الهواء
- هناك بعض طلاب المنح الدراسية الذين تخرجوا الفصل السابق , الحوا على إدارة الجامعة بضرورة ترحيلهم إلي بلادهم ... تجمع الطلاب الأفارقة والطلاب الأسيويين . انتظروا أول الأمر أن يلبى طلبهم وعندما لم يجدوا أذاناً صاغية ,لأن المسؤولين لدينا آخر ما يفكرون فيه الإنسان , أو ظنوا أنهم مثلنا أوادم بلا مرارة .. بدءوا بالصراخ واحداث الفوضى , وحتى الذين نقلوا لنا الخبر لا يعرفون كيف تطور الأمر إلي مشاجرة ومضاربة فيما بعد بين الطلاب الأفارقة من جهة والطلاب الأسيويين من جهة أخرى
ضحك ضحكة خفيفة لا معنى لها ثم تابع الحديث
- خرجنا من قاعة الاختبار وبدأنا نراقب الموقف من بعيد كان ميزان المعركة في أول الأمر يميل للطلاب الأسيويين الذين قاموا بطرح بعض الطلاب الأفارقة على الأرض , غير أن " العبيد " ثاروا عليهم وانتفضوا , وأصبحوا يضربون بكل شيء يقع تحت أيديهم ووصل الأمر ببعضهم تكسير عظام بعض الطلاب الأسيويين .
وعندما توقف عن الحديث سألته بلهفة
- وماذا فعلت الجامعة لوقف هذه المهزلة
- تدافع عمال الأمن والسلامة للتدخل لكن الأمواج كانت أقوى من الجميع استعانوا بالشرطة . ولم تصل الشرطة كالعادة إلا بعد أن حسم الأمر للطلاب الأفارقة
حدثت مجزرة .. وهذا بداية الطوفان الغيوم الركامية أخذت تتشكل والبرق والرعد بدأ كل منهما يتحدى الأخر في مهرجان سماوي رائع ... بدأ هطول الأمطار غير أننا لم نتأثر لأن المكان الذي نسير فيه مسقوف بسقف خرساني
- وماذا حصل بعد ذلك ؟
كدت أن أضحك ... بل ضحكت في قرارة نفسي من هذه الأسئلة .. أصبحت كالمحقق الذي يحقق في قضية مهمة .. استمر فيصل في الحديث بعد أن مسح فمه بيده
- سمعت هذا الصباح أن عمليات الكنس والترحيل كما قال أحد الشباب العامل في الجامعة أن هذه العمليات بدأت بعد نهاية إجراءات التحقيق رُحل كل طالب متخرج على الفور وبعد يومين أو ثلاثة أيام رحلوا الطلاب الذين رسبوا أكثر من فصلين دراسيين وتم إبلاغ سفارات بلادهم بذلك .







التوقيع
الصمت عيوننا الجميلة التي ترسم لنا الأشياء بدقة
  رد مع اقتباس
قديم منذ /18-12-2009, 10:10 PM   #6

محمد مهاوش الظفيري
 
الصورة الرمزية محمد مهاوش الظفيري
مستشار عام

محمد مهاوش الظفيري متواجد حالياً

 من مواضيعه :

0 همس الأرصفة
0 جنون الشعر
0 تركي حمدان ... أين أنت ؟؟؟!!!
0 محاولة لفهم الشعر من جديد
0 شاعر المليون ... لا جديد , والشعر مادة

 رقم العضوية : 252
 تاريخ التسجيل : Dec 2005
 المشاركات : 1,961
 التقييم : محمد مهاوش الظفيري في طريقه للتميّز

افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة امل احمد مشاهدة المشاركة
محمد جلست الأرض ما في أجمل منها

لغتك شهية تغري بمتابعة القراءة وتشي بأفكار جميلة...


الفكرة بها جانب من الواقع حولكــــــ....


محمد ربما كان فعل القراءة عند البطل بداية علاقته بالكتابة!!!

وجهة نظر
متابعة








أمل

حضورك مبهج , وتسعدني متابعتك

كل الشكر لروحك التي رفرفت هنا







التوقيع
الصمت عيوننا الجميلة التي ترسم لنا الأشياء بدقة
  رد مع اقتباس
قديم منذ /06-03-2010, 07:33 PM   #7

امل احمد
مشرفة المنتدى العام

امل احمد غير متواجد حالياً

 من مواضيعه :

0 السيـجارة
0 يظن البعـــَض
0 وجــــــــــوه
0 طفلتي ريمي
0 نعي خائنة

 رقم العضوية : 191
 تاريخ التسجيل : Jun 2005
 المكان : في عالم ابنتاي
 المشاركات : 2,914
 التقييم : امل احمد في طريقه للتميّز

افتراضي

ولازالت انتظر .............!!!







  رد مع اقتباس
قديم منذ /07-03-2010, 07:29 PM   #8

محمد مهاوش الظفيري
 
الصورة الرمزية محمد مهاوش الظفيري
مستشار عام

محمد مهاوش الظفيري متواجد حالياً

افتراضي

كل الشكر لانتظارك يا أمل


هالأيام مشغول بالإعداد لكتابي الجديد



تحياتي لك







التوقيع
الصمت عيوننا الجميلة التي ترسم لنا الأشياء بدقة
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:08 PM.


Powered by vBulletin® 2009
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
Protected by CBACK.de CrackerTracker